المقريزي

110

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

كان يذكر أنه من ذرّية طلحة بن عبيد اللّه ، وأنه ولد في سنة خمس وأربعين وسبع مائة ، فسمّاه جده لأمه العلّامة شمس الدين محمد ابن اللّبّان ، ودعا له ، وقال لأبيه ، زوج ابنته : ابنك هذا يجيء ناخوذة . ثم سمع هو هذه البشرى من الشيخ وعقل ذلك منه وعمره أربع سنين ، وكان ذكيا عارفا بأمور الدنيا ، قد مارس وأكثر من الأسفار ، ابتدأ أولا بالتجارة إلى الشام ، فأكثر من ذلك إلى أن عرف به . ثم بدا له فسافر إلى اليمن وخالط محمد بن سلّام التاجر الإسكندراني ، وسافر له ، فلما مات ابن سلّام ضم إليه ابنه الأكبر صاحبنا ناصر الدين محمد وزوّجه ابنته . وتردد إلى اليمن مرات فلم تصب قطّ مركب كان فيها ، ولا نكبت قافلة سار معها . فلما مات زكي الدين أبو بكر الخروبي ، وكان قد انتهت إليه رياسة التجار بديار مصر تفرّد بالرئاسة ، وابتدأ في إنشاء داره بشاطئ النّيل المبارك من مدينة مصر في سنة اثنتين وثمانين وسبع مائة ، فأنفق عليها إلى دون القرب من فراغها نحوا من خمسين ألف دينار ، ثم أضاف إليها مدرسة مليحة ، ومكتب سبيل لكنه لم يجعل بالمدرسة المذكورة درسا ولا طلبة ، فأحرقت هذه الدار جميعها سنة ست وثلاثين وسلمت المدرسة . وقام في تجديد عمارة الجامع العتيق بمصر الفسطاط في سنة أربع وثمان مائة ، وبذل في ذلك مالا جزيلا ، ونهض فيه بنفسه وذويه أتم نهضة ، فشكر اللّه مسعاه ، وبيّض في عرصات القيامة محيّاه ، فإنّه كان قد وهي وتداعى للسّقوط . وكان يقول : أنجب ابن مسلم « 1 » في عبيده وأنا أنجبت في ولدي أحمد ؛ وكان قد أرسله إلى البلاد اليمنية فأنجب وتموّل وساد ، وكان شابّا فطنا عاقلا خيّرا ديّنا ، ذكر أنه لم يشرب مسكرا قطّ مع ما كان أبوه فيه . وكان يناقض أباه في أمور كثيرة من فعل الخير والإحسان إلى الناس ، فمات بمكة في ذي القعدة سنة ستّ وثمان مائة

--> - والأبدان 1 / 386 و 2 / 193 ، والضوء اللامع 1 / 112 ، ووجيز الكلام 1 / 374 . ( 1 ) هكذا في أو ج ، ولعله يريد ابن سلام التاجر المذكور قبل قليل .